سيدنا يوسف
بسم الله الرحمن الرحيم
فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي
غَيَبَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا
وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (15) وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16) قَالُوا
يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا
فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ
(17) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ
أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا
تَصِفُونَ (18) وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ
فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ
وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19) وَشَرَوْهُ
بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20)
وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى
أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي
الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى
أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21) وَلَمَّا بَلَغَ
أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22).
صدق الله العظيم
آية ( 16) فأرْسَلَهُ معهم. فلما ذهبوا به وأجمعوا على إلقائه في جوف
البئر، وأوحينا إلى يوسف لتخبرنَّ إخوتك مستقبلاً بفعلهم هذا الذي فعلوه بك، وهم
لا يُحِسُّون بذلك الأمر ولا يشعرون به.
وجاء إخوة يوسف إلى أبيهم في وقت العِشاء
من أول الليل، يبكون ويظهرون الأسف والجزع.
آية(17) قالوا: يا أبانا إنا ذهبنا نتسابق في
الجَرْي والرمي بالسهام، وتركنا يوسف عند زادنا وثيابنا، فلم نقصِّر في حفظه، بل
تركناه في مأمننا، وما فارقناه إلا وقتًا يسيرًا، فأكله الذئب، وما أنت بمصدِّق
لنا ولو كنا موصوفين بالصدق؛ لشدة حبك ليوسف.
آية(18) وجاؤوا بقميصه ملطخًا بدم غير دم
يوسف؛ ليشهد على صدقهم، فكان دليلاً على كذبهم؛ لأن القميص لم يُمَزَّقْ. فقال لهم
أبوهم يعقوب عليه السلام: ما الأمر كما تقولون، بل زيَّنت لكم أنفسكم الأمَّارة
بالسوء أمرًا قبيحًا في يوسف، فرأيتموه حسنًا وفعلتموه، فصبري صبر جميل لا شكوى
معه لأحد من الخلق، وأستعين بالله على احتمال ما تصفون من الكذب، لا على حولي
وقوتي.
آية(19) مكث يوسف في الجب ما مكث، حتى جاءت جماعة من
المسافرين، فأرسلوا مَن يطلب لهم الماء، فلما أرسل دلوه في البئر تعلَّق بها يوسف،
فقال واردهم: يا بشراي هذا غلام نفيس، وأخفى الواردُ وأصحابه يوسفَ من بقية
المسافرين فلم يظهروه لهم، وقالوا: إن هذه بضاعة استبضعناها، والله عليم بما
يعملونه بيوسف.
آية(20) وباعه الواردين من المسافرين بثمن
قليل من الدراهم، وكانوا زاهدين فيه راغبين في التخلص منه؛ وذلك أنهم لا يعلمون
منزلته عند الله.
آية(21) ولما ذهب المسافرون بيوسف إلى
"مصر" اشتراه منهم عزيزها، وهو الوزير، وقال لامرأته: أحسني معاملته،
واجعلي مقامه عندنا كريماً، لعلنا نستفيد من خدمته، أو نقيمه عندنا مقام الولد،
وكما أنجينا يوسف وجعلنا عزيز "مصر" يَعْطِف عليه، فكذلك مكنَّا له في
أرض "مصر"، وجعلناه على خزائنها، ولنعلِّمه تفسير الرؤى فيعرف منها ما
سيقع مستقبلاً. والله غالب على أمره، فحكمه نافذ لا يبطله مبطل، ولكن أكثر الناس
لا يعلمون أن الأمر كله بيد الله.
آية(22) ولما بلغ يوسف منتهى قوته في شبابه
أعطيناه فهماً وعلًما، ومثل هذا الجزاء الذي جزينا به يوسف على إحسانه نجزي
المحسنين على إحسانهم.
وسوف نواصل تفسير باقي الآيات في الأعداد القادمة
لتَدبُر الحكم والموعظة التي وردت في سورة يوسف

0 التعليقات:
إرسال تعليق