الفاروق
عمر ابن الخطاب
(الجزء الثالث)
مبايعته بالخلافة
عندما اشتدَّ على أبي بكر مرض موته، جمع كبار
الصحابة وقال لهم: "إنَّه قد نزل بي ما قد ترون، ولا أظنني إلا ميِّتاً، وقد
أطلق الله أيمانكم من بيعتي، وحلّ َعنكم عقدي، وردَّ عليكم أمركم، فأمِّروا عليكم
من أحببتم، فإنكم إن أمَّرتم في حياة مني كان أجدر ألا تختلفوا بعدي". فأخذ
الصحابة الذين جمعهم يتعفَّفون، فيرى كل منهم في الآخر قدرة أكبر على تولي مسؤولية
الخلافة، فعادوا إلى أبي بكر وقالوا له طالبين مساعدته باختيار الخليفة:
"أرنا يا خليفة رسول الله رأيك"، قال: "فأمهلوني حتى أنظر لله
ولدينه ولعباده".
استدعى أبو بكر عثمان بن عفان مجدداً، فقال
له: "اكتب: "بسم الله الرحمن الرحيم" هذا ما عهِدَ
أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين، أمّا بعد..." لكن أغميَ عليه في تلك
اللحظة قبل أن يكمل كلامه، فكتب عثمان: "أمَّا بعد فإني قد استخلفتُ عليكم
عمر بن الخطّاب ولم إلكم خيراً". وعندما استيقظ أبو بكر من إغماءاته قال
لعثمان: "اقرأ عليّ"، فقرأ عثمان، وعندما انتهى كبَّر أبو بكر وقال:
"أراك خِفتَ أن يختلف الناس إن مُتُّ في غشيتي؟"، قال: "نعم"،
فقال: "جزاك الله خيراً عن الإسلام وأهله".

الفتح الإسلامي لبلاد الشام

توفي أبو بكر خلال هذه المرحلة، وأعقبه عزل عمر
بن الخطاب لخالد بن الوليد عن قيادة الجيوش
الفاتحة. عمر لم يرضَ بذلك لئلا يفتتن به المسلمون لانتصاراته المتوالية على
الأعداء.

|
مسجد
عمر بن الخطاب بالقدس
|
فتح
العراق وفارس
|
سيف عمر بن الخطاب
|
أرسل أحد ملوك الفرس جيشاً لقتال المسلمين،
فالتقى المثنى بن حارثة مع الجيش الفارسي وانتصر على الفرس. لكن تغيَّر ميزان القوى عندما قام وال فارسيّ يُسمَّى رستم بانقلاب على أحد الأكاسرة، منهياً فترة الاضطراب
ومستبداً بالحكم. فخرج المثنى إلى المدينة، ليقابل أبا بكر ويطلب منه المدد والعون
لاستكمال الفتح. غير أن المثنى وصل المدينة وأبو بكر على فراش الموت، فلمَّا حكى له ما
أراده قال أبو بكر: "عليَّ بعمر"، فجاء عمر، فأوصاه أبو بكر بأن يندب
الناس (يدعوهم إلى الخروج للقتال) مع المثنى كل يوم. وتوفيَّ أبو بكر بعد تلك الحادثة بأيام.
ما إن انتهى دفن أبو بكر حتى وقف عمر ومعه المثنى
يخطب في الناس ويدعوهم إلى الانضمام لجيوش المسلمين لقتال الفرس، واستمرَّ على تلك
الحال ثلاثة أيام متتالية دون جدوى، حيث كان العرب يهابون الفرس بشدة ويخشونهم
كثيراً. ولمَّا
كان اليوم الرابع وقف المثنى في المسجد النبوي، فخطبَ فيهم،
وحدَّثهم عن ما حققه المسلمون من انتصارات على الفرس في العراق، ثم قام عمر
وخطب بدوره، وهنا صاح رجل: "أنا لها!"، وكان أبو عبيد الثقفي، ثم بدأ الناس
يتطوَّعون الواحد تلو الآخر، حتى اجتمع لدى عمر والمثنى 1,000 رجل. اتجه
أبو عبيد إلى العراق، وانتصر على الفرس في معركة النمارق والسقاطية
وباقسثيا، التي دارت كلُّها خلال تسعة أيام فقط. لكنه هزم في موقعة الجسر وقتل فيها، وأبيد
نصف الجيش في المعركة.
وبعد أن التقت وتجمَّعت كل الجيوش والإمدادات،
بلغ قوام الجيش الإسلامي المتجه إلى فارس 32,000 مقاتل، وهو أكبر جيش إسلامي يدخل
بلاد فارس حتى ذلك الحين.
وكان التقاء الجيشين في أرض القادسية. ثم اندلعت المعركة الفاصلة في فتوحات فارس، المسمَّاة بمعركة القادسية. استمرَّ القتال
أربعة أيام على أشده، فلما جاء اليوم الرابع قتل رستم وهزم الفرس.
|
معركة القادسية
|
بعد فتح جلولاء فرَّ يزدجرد إلى مرو، وجعلها عاصمة
الفرس الجديدة، وبدأ بحشد الجيوش من كل أصقاع فارس لوقف تقدم المسلمين. وسار
إليهم جيش المسلمين بقيادة النعمان بن مقرن، والتقيا قرب
مدينة نهاوند في سنة 21 هـ. حوالي 30,000 رجل من المسلمين
و150,000 من الفرس.
وبعد يوم من القتال الحامي هزم الفرس وانتصر
المسلمون نصراً كبيراً، فأطلقوا على معركة نهاوند فتح الفتوح، حيث لم يجتمع الفرس بعدها أبداً.
ووصلت عمر أخبار الفتح فسرَّ سروراً عظيماً، غير
أنه بكى عندما سمع بمقتل النعمان وصحابة آخرين خلال المعركة. بعد نهاوند
توالت فتوحات بلاد فارس، ففتحت همدان فأصبهان فالري فجرجان فطبرستان فأذربيجان فخراسان فكرمان فمكران فسجستان. وبذلك
كانت نهاية الدولة الساسانية وزوالها، وفتح المسلمين لجميع مناطقها السابقة.
عام
الرمادة وطاعون عمواس
كانت سنة 639م الموافقة لعام 18 هـ، سيئة على الدولة الإسلامية التي تعرضت لنكبتين: المجاعة في المدينة
المنورة والطاعون في بلاد الشام. وقيل حدث ذلك آخر سنة 17 هـ الموافقة لذات العام الميلادي سالف الذكر. عمّ
الجدب أرض الحجاز واسودت الأرض من قلّة المطر فمال لونها إلى
الرمادي مدة تسعة أشهر فسميت "عام الرمادة". والتجأ المسلمون إلى
المدينة المنورة، فأخذ عمر بن الخطاب يُخفف عنهم، وكتب إلى أبي موسى الأشعري بالبصرة فبعث إليه قافلة عظيمة تحمل البر وسائر المطعمات،
ثم قدِم أبو عبيدة بن الجراح من الشام ومعه أربعة آلاف راحلة تحمل طعامًا
فوزعها على الأحياء حول المدينة المنورة. فخفف ذلك من الضائقة بعد أن هلك كثير من
المسلمين.
أما الطاعون فبدأ في عمواس، وهي قرب بيت المقدس، فسُمي
"طاعون عمواس"، ثم انتشر في بلاد الشام. وكان عمر بن الخطاب يهم بدخول
الشام وقتها، فنصحه عبد الرحمن بن عوف بالحديث النبوي: «إذا سمعتم بهذا الوباء ببلد، فلا تقدموا عليه،
وإذا وقع وأنتم فيه فلا تخرجوا فرارًا منه»، فعاد عمر وصحبه إلى المدينة المنورة. حاول عمر بن الخطاب إخراج
أبا عبيدة بن الجراح من الشام حتى لا يُصاب بالطاعون فطلبه إليه، لكن أبا عُبيدة
أدرك مراده واعتذر عن الحضور حتى يبقى مع جنده، فبكى عمر. ويبدو أن الطاعون انتشر
بصورة مريعة، عقب المعارك التي حدثت في بلاد الشام، فرغم أن المسلمين كانوا يدفنون
قتلاهم، فإن عشرات آلاف القتلى من البيزنطيين بقيت جثثهم في ميادين القتال من غير
أن تُدفن، حيث لم تجد جيوشهم المنهزمة دائمًا الوقت الكافي لدفن القتلى. استمر هذا
الطاعون شهرًا، مما أدى إلى وفاة خمسة وعشرين ألفًا من المسلمين وقيل ثلاثين
ألفًا، بينهم جماعة من كبار الصحابة أبرزهم: أبو عبيدة بن الجراح ، ومعاذ بن جبل ومعه ابنه عبد
الرحمن، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، والفضل بن العباس بن
عبد المطلب، وأبو جندل بن سهيل. وقيل أن الطاعون أصاب البصرة أيضًا فمات بشر كثير.
وبعد انحسار طاعون عمواس، خرج عمر بن الخطاب من
المدينة المنورة متجهًا نحو بلاد الشام عن طريق أيلة. فلمّا وصلها قسّم الأرزاق
وسمّى الشواتي والصوائف وسدّ فروج الشام وثغورها، واستعمل عبد الله بن قيس على
السواحل ومعاوية بن أبي سفيان على جند دمشق وخراجها. ثم قسم مواريث الذين ماتوا،
بعد أن حار أمراء الجند فيما لديهم من المواريث بسبب كثرة الموتى. وطابت قلوب
المسلمين بقدومه بعد أن كان العدو قد طمع فيهم أثناء الطاعون.
الفتح
الإسلامي لمصر
فتح
برقة وطرابلس الغرب
بعد أن أتمَّ عمرو بن العاص فتح الإسكندرية سار
إلى إقليم برقة، وأرسل
بداية عقبة بن نافع ليستطلع الأوضاع
ويعطيه تقريراً عن المنطقة، ثم فتح برقة بسهولة وسرعة، وصالح أهلها على جزية
يدفعونها له مقدارها 13,000 دينار، وكان ذلك في سنة 22 هـ. ثمَّ فرَّق عمرو قواته وأرسلهم إلى مختلف أجزاء برقة ومحيطها،
فأرسل عبد الله بن الزبير إلى مصراتة وعقبة بن نافع إلى زويلة ثم عينه قائداً لحامية برقة) وبسر بن أرطاة إلى ودان، فنجحوا في فتح
كل هذه المدن. وأخيراً سار عمرو إلى طرابلس الغرب وحاصرها لمدة
شهر، غير أنه لم يتمكن من فتحها، حتى تمكن بعض جنوده من اقتحام المدينة، ففرَّ
الروم إلى سفنهم للهرب، ودخل جيشه المدينة وفتحها. وفتحت معها المناطق المحيطة بها مثل غريان والزاوية وسائر جبل نفوسة. وبعد طرابلس سار عمرو إلى سبرة، ففتحها هي
الأخرى، وتم بذلك فتح ليبيا. غير أن عمر لم يأذن له بالسير أكثر حتى إفريقية، فعاد عمرو إلى
مصر.
للعدد بقية انتظرونا






0 التعليقات:
إرسال تعليق